الخطيب العدناني
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك للتسجيل بالمنتدى
تسجيلك شرف لنا

الخطيب العدناني

معلومات عن الخطيب العدناني -عام - اشعار -منوعات
 
الرئيسيةgoogle.com.bhاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

شاطر | 
 

 فيض أبيها.. الملاية بتول السيد محمد صالح الموسوي---السبت, 03 فبرايـر, 2007

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
المدير العام


عدد المساهمات : 648
نقاط : 1782
السٌّمعَة : 14
تاريخ التسجيل : 22/09/2009

مُساهمةموضوع: فيض أبيها.. الملاية بتول السيد محمد صالح الموسوي---السبت, 03 فبرايـر, 2007   9/23/2009, 7:33 pm


"خَلَّف النبي الزهراء البتول. وخَلَّفت أنا بتول"


بهذا الخَلَف يفتخر السيد العدناني العلامة محمد صالح الموسوي. كان يرى بتول خَلَفه، كما هو خَلَف والده عالم الدين السيد عدنان الموسوي، كما والده خلفاً لجده.
الخلف هو ما يتبع مما يجيء من بعد، وهو الصحيح والظهر والسند والمعتمد. فأي خلف كانت بتول لأبيها؟
هل بتولٌ خلف أبيها، بما هي أمّ أبيها، كما الزهراء أمّ أبيها؟ أم هي خلفه بما هي ابنته التي تجيء من بعده، فمن بين أبنائه الـ ,34 تسير بتول وحدها محاذاة نهج والدها الديني؟ هل تخلف بتول أباها في ما ورثته من سمات وخصائص ومهارات وقدرات؟ أم هي شيء من ذلك كله؟
‘’منذ الثانية من عمري، وأنا أشهد مجلس والدي يقيمه كل يوم جمعة في بيتنا بالنعيم. استمر المجلس ثلاثين عاماً من دون انقطاع.
صباح كل جمعة يستيقظ والدي، يحرص على عمل كل شيء بنفسه. يبدأ بتجهيز المكان بنفسه، يحضّر (الشربت) بنفسه، يقرأ الحديث بنفسه، ثم يقف خطيباً فوق المنبر، وأنا طفلة صغيرة أقف خلف الباب. أستمع له’’.
يسمي السيد مجلسه ‘’دار النسيم’’، ويسمي مكتبته ‘’دار السلام’’، وغرفة نومه ‘’دار النعيم’’، ومكان قبره الذي أمر بتجهيزه قبل ثلاث سنوات من موته؛ ‘’دار المقام’’.
لكل مكان عنده كنية، ولكل واحدة من زوجاته الأربع كنية، ولكل واحد من أبنائه الـ 34 كنية، ولكل واحد من بيوتاته كنية، ولكل سيارة، ولكل دراجة هوائية. ليس من شيء عنده إلا وهو في اسم آخر، الكنية رؤية يقدمها السيد بين يدي الأسماء، يُلبس الاسم بالاسم فيكثر المعنى بالمعنى. بهذه الكُنى، يتصرف الموسوي في معاني الأشياء كما يتصرف في تعريفاتها، يجعلها صوراً كثيرة وتجليات كثيرة وحالات. يحيل غرف بيته إلى جنة يلذُّ فيها البقاء؛ إلى دور ومقامات ومواطئ وفُرش، يسبغ عليها علامات النعيم والنسيم والمقام والسلام. فيصيرها جنّته.
كلما سافر السيد إلى بلد جديد، وأخذته دهشتها، عاد محملاً بها إلى بيته، يعطي أجمل ما رأى فيها كنية لإحدى زوجاته، لا يناديها إلا بها، فيجعلها تزهو بما تزهو به هذه الأماكن من جمال وروعة. يفتح بيوتاته هنا، على العالم هناك، فيتسع هنا، باختلاف هناك. يصير هنا أفقاً مشبعاً بالمعنى. زوجته الأولى أسماها برلين، والثانية باريس، والثالثة منارس (حيث كان يدرس في صباه في الهند). بهذا ينتج السيد معنى جديداً لكل شيء حوله، ويصوغه وفق رؤيته الخاصة، ومن هذه الكُنى جاء اسم بتول.

جميلة البتول
هي مولودته الأولى. أمها باريس الزوجة الثانية. كان أولاده من زوجته الأولى يموتون رضعاً في الأشهر الأولى. وكان ذلك عذراً للسيد للزواج من الثانية. تقول باريس ‘’بعد أقل من عام تقريباً أنجبتُ المولود الأول وكان أنثى، أسميناها (جميلة) سرعان ما تغيّر إلى (بتول) في منزل أهلي بالمنامة؛ لتكون مولود السيد الأوّل، وأكثر أولاده قرباً إلى نفسه؛ لأنّها البكر. وبعد أيام، وفي الشهر ذاته أنجبت زوجته الأولى مولوداً كان أنثى أيضاً، هي (نَجاة)، ولم يمضِ عام حتى أنجبتُ المولود الثاني ليحمل اسم والد السيد (عدنان)’’ [1].
عبر هذه الكنية، سيحمل السيد أفق رؤيته لابنته البكر جميلة ‘’خَلَّف النبي الزهراء البتول، وخَلَّفت أنا بتول’’. من هذا الأفق سترى جميلة إلى نفسها، وستختار اسم بتول لتكبر عليه، وتُعرف به، وتشتهر، وتصير واحدة من كبريات ملايات البحرين والخليج. وعبره أيضاً سترث بتول عن أبيها أجمل طبائعه وأخلاقه. تقول أختها جليلة ‘’بتول أخذت من والدي الذكاء والتواضع والبساطة والتلقائية وحلاوة الصوت وفصاحة اللسان وطيبة القلب وحب القراءة’’.

المأتم الأول
‘’كنت الوحيدة بين إخوتي التي لم أتعلم في المدرسة. ذهبت إلى المعلِّم. وهناك تلقيت شيئاً بسيطاً لا يذكر. أستطيع أن أقول إن العلم الذي تلقيته هو من والدي. كنت أستمع إليه حين يقرأ في مجلسه كل جمعة. أسمعه حين يحكي التاريخ. هو موسوعة تاريخية لا تخطئ الأسماء والأرقام والحوادث والتفاصيل الدقيقة. من طفولتي أجلس أراقبه كيف يكتب. أراه يكتب الآيات على الأكفان’’.
تزوجت بتول في الرابعة عشرة من عمرها. ستغادر بتول بيتاً عامراً بمجلس قراءة أسبوعي، لترد بيتاً عامراً بمأتم نسائي. عمتها (والدة زوجها) هي الملاية شرف بنت سيد ناصر العلوي. ستقرأ بتول في مأتم عمتها للمرة الأولى، فيعجب صوتها المحفوف بالدفء والرخامة والعمق، عمتها الملاية شرف، وتسرّ هذه في نفسها ما ينتظر زوجة ابنها من مستقبل، فتشجعها على الاستمرار في القراءة، وتصدّرها مأتمها، وتدفعها إلى أن تكون حضوراً مميزاً. ستتذوق بتول طعم القراءة الحسينية، وتجد فيها ميل ذاتها، فتبدأ بامتهانها.
‘’بعد زواجي، قررت الذهاب إلى محو الأمية، أديت امتحانات تحديد المستوى، أدخلوني مباشرة إلى الصف الرابع، لكني كنت قد شغلت بالقراءة التي لا أعادل بها أي شيء آخر، فكان من السهل عليّ أن أضحي بما يحول بيني وبين التفرغ للقراءة. فتركت المدرسة والدراسة’’.
من داخل مأتم عمتها الملاية شرف، بدأ اسم الملاية بتول يسبقها إلى الخروج. سريعاً ما أخذ اسم بتول يشتهر ويعُرف. ‘’شهرتي أخذتها من اسم والدي بدرجة كبيرة’’.

حرارة الواقعة
بدأت بتول تنتقل بين مآتم النساء في مناطق البحرين المختلفة. ينتشر اسمها شيئاً فشيئاً ويكبر، يصبح لها عدد كبير من المستمعات والمتجاوبات، تبدأ في الدخول ضمن عداد كبار ملايات البحرين. هي الآن الملاية بتول. شهرتها تصل إلى الخارج فتأتيها الدعوات إلى قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية. منذ 37 سنة وبتول تمارس مهنة القراءة. تقضيها متعاقدة مع عدد من المآتم مثل مأتم أم لقمان الذي بقيت تقرأ فيه 15 سنة، ومأتم جبلة حبشي الذي بقيت معه 13 سنة.
على رغم أن اسم الملاية مشتق من اسم ذكوري هو الملا، إلا أن وظيفة الملاية تختلف عن وظيفة الملا المعروفة. الملا يقوم بإملاء الجوانب الفقهية والشرعية على مستمعيه، لكن الملاية لا تمارس مثل هذا الدور، بل تختص بتأكيد الفاجعة، وتمرير حرارة الواقعة، وإبكاء المستمعات. الملاية هي هيبة البكاء.
‘’أقف أمام ما يقارب 300 مستمعة، بينهن كبيرات السن، بينهن النسوة البسيطات في تعليمهن، بينهن الطبيبات والمعلمات والمهندسات والكاتبات، بينهن من يحملن شهادات عليا، كيف أستطيع أن أنقل حرارة الواقعة لكل هؤلاء جميعاً معاً في الوقت نفسه، كيف أناجي اختلافهن جميعاً بصوت واحد وقراءة واحدة. كيف أمنح كل هؤلاء كفايتهن التي حضرن ليستشعرنها عندي. الأمر ليس سهلاً على الإطلاق’’.

صوت الملاية
كلما أبدعت الملاية طرق استحضار حرارة الفاجعة إلى مجلسها، صارت جهة قصد. للملاية هيبتها وحضورها ومكانتها الخاصة. لها مريداتها اللاتي يذهبن وراء قراءتها أينما ذهبت. الملاية مدرسة تنقل الفاجعة وتعلمها. ولكل ملاية تلميذاتها التي تنقل إليهن صنعتها ومهاراتها. فعلى يد من تتلمذت بتول؟ ‘’مثل والدي أنا، لم أتتلمذ على يد أحد. لكن على يدي تتلمذت الكثيرات’’.
صوت بتول نبرة خاصة، وأنّتها التي تطلقها في أول قراءتها تخترق شعورك من دون استئذان. حين تتصدر بتول المجلس تكفي أنّتها الأولى ليضج المأتم بالبكاء واللطم والصراخ. تأخذك بتول إلى الواقعة فلا يهرب خيالك من ساحتها لحظة. كأنك تذهب إليها فلا تعود حتى تختم بتول مجلسها.
حين يطوف رجل على مجلسها ويسمع صوتها، يقف مستمعاً، فلا يغادر حتى تنتهي. ‘’عندما كنت أقرأ في مأتم قرية الديه، يحضر خدام الحسين حاجيات المطبخ، فيتسمر أحدهم في مكانه، يستمع قراءتي، فلا يبرح المطبخ، حتى أنتهي من القراءة. وفي قرية البلاد القديم يقف بعض المارة عند المأتم من الخارج، يسمع قراءتي فلا يتابع الرجل سيره حتى أكمل’’.
لا تمانع بتول أن يسمع رجل صوتها أثناء القراءة. فالقراءة الحسينية شيء ينفذ إلى الروح وحدها. يبللها. والروح ليست جنساً.

ثقة الراوي
تختار بتول الكتب التي تقرأ منها في مجالسها بعناية ‘’لا أقنع بأي شيء. ولا أقرأ أي شيء. الكتب التي لا تقنعني رواياتها ألقيها جانباً. أعتمد الروايات الموثوقة فقط. لدي كتبي الخاصة. أعتمد ما يكتبه لي كل من أبي وزوجي. زوجي هو الشاعر ميرزا الحداد، وقد كان أحد الصناع عند والدي (الصانع هو خطيب متدرب). يحفظ زوجي الشعر بمجرد قراءته لمرة واحدة فقط. أثق فيما يكتبه لي أبي وزوجي وعليه أعتمد. فأنا أعرف مصادرهما وأعرف علم أبي وتحققه من الروايات. لهذا لدي كتبي المميزة. ولهذا صرت لا أقنع بأي كتاب. ولهذا أتمتع بثقة كبيرة في نفسي وفي ما أقدمه من روايات’’.
تنسب بتول شيئاً من تميزها إلى محيطها الرجالي. ‘’طرائقي رجالية واعتماداتي أمضيها مع المآتم النسائية التي يديرها الرجال لا تلك التي تديرها نساء. في هذه المآتم التعاقدات مع الرجال، والتمويل من الرجال، والدخل من الرجال. بقيت متعاقدة مع حجي عبدالعزيز بن جواد للقراءة في مأتم جنوسان 16 سنة حتى توفي. التعاقدات الرجالية منتظمة وملتزمة وهي تختلف تماماً عن المآتم التي تديرها النساء’’.
في داخل البحرين وخارجها، تحيي بتول حفلات الأعراس كما تحيي مجالس العزاء ‘’أعطي الميلاد حقه والعزاء حقه. لكني أميل إلى مجالس العزاء فهي الأقرب لروحي’’. لا تحب بتول الغناء في الأعراس، بل تميل إلى الأناشيد الدينية (المواليد). تشعر بتول بأن هيبتها كقارئة حسينية لا تليق بممارسة الغناء في حفلات الأعراس. لا توازنَ تجده بتول بين إبكاء الناس على الحسين وبين استخدام الغناء، إلا ما كان منه أناشيد دينية فقط. لهذا تكثر على بتول طلبات إحياء مجالس العزاء، أما حفلات الزواج فتدعوها إليها العائلات المحافظة غالباً.

فيض أبيها
حين سألت ‘’مسالك’’ عن أمها بتول قالت لي ‘’أمي فيض أبيها’’.
وحين تجلس إلى بتول، لا تسمعها تنطق إلا متدثرة في جلباب أبيها. لا تسألها عن نفسها إلا وتجيبك من حيث أبوها لا من حيث هي، فكأنها تقرأ نفسها من خلاله، أو تقرأه من خلال نفسها ‘’أبي أكبر شيء في حياتي، وحين فقدته شعرت بأني فقدت فيضي’’.
للملاية علاقتها الخاصة بأبيها العلامة. كان أبوها يفيض إليها وبتول تفيض بأبيها. حين أقعده المرض، كان كلما شعر بالرغبة في الكلام اتصل ببتول، وطلب منها أن تزوره. ‘’كنت أجالسه من الساعة الثالثة حتى التاسعة مساء نتحادث، فلا أشعر بالملل أو التعب. لا أشم سوى رائحة العطر. يدخلني في مساحة التاريخ فأغيب معه. أرى العلم أوسع من حرف. أرى التاريخ أكبر من كتاب. يفيض القول بأبي أو يفيض أبي بالقول. لا أعرف من يفيض بمن. أتلقى القول بكأسي فأفيض معه. يسيل كل شيء حين نفتحه على الكلام’’.
حين تنطق بتول اسم أبيها تلمع عيناها، فكأنها مريدة عند عتباته ‘’كان والدي هيبة عندي. لم أجلس يوماً مرتفعة عليه. لا أستطيع النظر في وجهه. أقبّل يده ورأسه فقط. أخجل من تقبيل خده’’.
يطيب لأبناء السيد أن ينعتوا أباهم بأنه فائض في كل شيء.. فهو فائض في حب العلم ‘’كانت القراءة عالمه الذي يغيب فيه عن كل شيء. عندما يقرأ لا ينتبه لأحد ولا يرى أحداً. لا يمشي إلا والكتاب في يده. ذات مرة دخل أحد المجالس التي يقرأ فيها. كان الوقت مبكراً والمجلس شبه خال. يحمل كتاباً جديداً اشتراه أخيراً. أخذ يقرأ الكتاب بانتظار توافد المستمعين. ذهب في الكتاب بعيداً وغاب عن المجلس، حين انتبه، كان المجلس قد امتلأ بالمستمعين، والكتاب قد انتصف’’ تقول جليلة.
على رغم أن بتول فيض أبيها، إلا أنها لم تتعلم في المدرسة. مع ذلك فقد كانت تحرص على القراءة بشكل يومي. تقرأ في الدين وفي الحياة. لا يمر يوم لا تقرأ فيه الصحف. تقول بتول ‘’أعشق القراءة وتهمني متابعة الحوادث. أعود أحياناً مرهقة والوقت متأخر ليلاً، فلا أنام قبل أن أقرأ الصحيفة’’. تهتم بتول بمتابعة الأخبار المحلية والعالمية. تهتم بتحليلها ومناقشتها مع الآخرين. تتابع البرامج التلفزيونية الجادة. تقول مسالك ‘’في عزاء جدي، كان من بين المعزيات الكاتبة سوسن الشاعر. جلست أمي إليها وأخذت تحدثها عن برنامجها التلفزيزني (كلمة أخيرة). بقيت أمي تناقشها في تفاصيل برنامجها، وبقيت سوسن في دهشة من ملاية تتابع وترصد وتحلل وتناقش بهذا الاهتمام’’.

ملاية تعددية
السيد فيض من الأبناء أيضاً. أبناؤه الـ ,34 عدا بتول، ينتشرون على طول مدارس البحرين. ‘’كانت قرطاسية بداية العام الدراسي تأتي لنا على هيئة حمولة ضخمة في سيارة (بيك أب). لم تكن السيارة العادية تكفي لتحمل كم حاجياتنا لعام دراسي واحد. تقف السيارة عند كل واحد من البيوت الأربعة، فتنزل نصيبه من القرطاسية والشنط والأغراض. على رغم كل عددنا إلا أنا عشنا الوفرة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى’’ تقول جليلة.
أبناؤه الـ 34 ليسوا فقط فائضاً من الاحتياجات، بل فائضاً من الانتماءات والاهتمامات والاتجاهات والتيارات. وفرة من الألوان والتنوعات والاختلافات. هذا الاختلاف لم يجد له رفضاً عند السيد. نشأت بتول، كغيرها من إخوتها، في وسط ليس يمارس فيه الأب العالم الديني، سلطة الفرض. لا يلزم السيد أياً من أبنائه أن يكون غير ذاته التي يرتئيها بوعيه. ‘’لم يفرض والدي يوماً على أحد فينا نمط حياته واختياره. وترك لكل منا حرية أن يكون ذاته الخاصة. كان الاعتدال في الستر والاحترام هو حده الذي لا يتنازل عنه’’.
أباح السيد للاختلاف أن يدخل بيوتاته. قد لا أبالغ إذا ما قلت إنه حرَّض الاختلاف ليدخل هذه البيوتات. حرّض السيد بيوتاته على قبول الاختلاف بدهشاته التي كان يحملها معه من كل مكان. كأن هذه البيوت قد تهيأت لقبول الاختلاف منذ قبلت أمهاتها أن تكون أسماء في غير أسمائها. منذ قبلت أن تكون أسماء مدن كثيرة؛ منارس وباريس وبرلين. وحده هذا الاستحضار المشدوه بالاختلاف، يفتح أفق التنوع والتعدد في بيت كل ما فيه مختلف.
وبهذا صارت بتول ملاية تقبل الاختلاف وتتعايش معه. صارت ملاية تعددية. ‘’نختلف كل الاختلاف عن بعضنا بعضاً، لكننا نقبل بعضنا بعضاً كل القبول. لكل قناعاته الفكرية والدينية، ومساحاتنا المشتركة كبيرة. أنا أفتخر بكل إخوتي وأخواتي وأراهم مميزين في المجتمع. لا أحاول فرض قناعاتي حتى على أبنائي فكيف بإخوتي. العالم يتسع بالاختلاف فلماذا يضيق صدر الإنسان؟ هكذا تعلمت من أبي’’.

ساعة النعي
خلفت بتول أباها. ملاية من بناته الإناث. لم يخلفه أي من أبنائه الذكور في دراسته الدينية. كان السيد العدناني امتداداً لسلالة عالمة أباً عن جد. لعله أراد لأحد أبنائه أن يكمل سلسلة آبائه وأجداده. لكن أحداً من أبنائه الذكور على رغم تميز عدد كبير منهم لم يختر ذلك. لم تكن غير بتول. فيض أبيها أو خلفه. الملاية بنت العلامة.
لا يفرق السيد بين الذكور والإناث. لا يفصل بينهم في شيء. ‘’أنجبت أمي خمس إناث قبل أن تنجب مولودها الذكر الأول. لم يقل لها والدي يوماً لماذا إناث فقط. في حملها السادس كان ذاهباً إلى الحج، وكان موعد وضعها قريباً. قال لها قبل أن يسافر: إذا وضعت أنثى أسميها كميلة، وإذا ولد أسميه رضوان. وضعت أمي توأماً. كميلة ورضوان. فكان ولده الأول من باريس’’. وقفت الملاية في عزاء والدها الذي وافته المنية في التاسع عشر من ينعيب/ كانون الأول .2007 وقفت لتقرأ. لم تقرأ في اليوم الأول من العزاء ولا في اليوم الثاني. في اليوم الثالث والأخير وقفت لتنعى والدها. ما إن بدأت، حتى امتلأت بفيض والدها ففاضت عيونها ولُجم صوتها. صمتت ولم تكمل.
وقفت على قبر والدها. وهناك قرأت بصوت ناعية أبيها. طالما بقيت بتول تستمع صوت والدها يفيض عليها بالسرد والتاريخ. طالما غابت هي في ما يرويه لها. طالما جالسته مشدوهة مبهورة ولاذت بصمت جهلها قبالته. لكنها اليوم تقف على رأس قبره، تُسمعه، تدهشه، تروي له، تنعاه، ترثيه ببعض أبياته التي كتبها ينعى فيها نفسه منذ السابع من شهر محرم العام .1425 أي قبل عامين من وفاته:

المرء يشقى بالتشاؤم مثلما
يمنى السعيد من التفاؤل بالبقا
كن سكراً إن صار دهرك علقما
وموسعاً إن صار غيرك ضيقا
مهلاً أبا عدنان لا تأسف إذا فارقت
ذي الدنيا وأُنسيت الشقا
فجميع ما تصبو إليه
ستعمل الأولاد فيه بما طلبت محققا
سيشيعونك إن مضيت وقد ترى
البعداء للتشييع منهم أسبقا
سيغسلونك بالدموع تلهفاً
ويكفنونك بالقلوب تشوقاً
أبنيّ بعدي لا أريد عبادة عني
ولا حجاً وأن تتصدقا
منكم أريد اخوة ومودة بعدي
وأن لا شملكم يتمزقا

"لقد قرأت عند قبره، وسأظل أقرأ عند قبره، لأنه يستحق، ولأن كل ما عندي هو منه". تقول بتول.
لقد فاضت روح السيد، لكنها هذه المرة فاضت إلى عالمها الأعلى، بعد أن فاضت بعالمها الأدنى؛ فاضت بالعلم، فاضت بالكتب، فاضت بالكتابات، فاضت بالتاريخ، فاضت بالأسماء، فاضت بالكنى، فاضت بالأبناء، فاضت بالاختلاف، فاضت بالتعدد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://almusawi-bh.up-your.com
 
فيض أبيها.. الملاية بتول السيد محمد صالح الموسوي---السبت, 03 فبرايـر, 2007
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الخطيب العدناني :: قسم خاص :: عائله الموسوي-
انتقل الى: